محمد سعيد رمضان البوطي
93
فقه السيرة ( البوطي )
الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) [ القصص : 5 ] . وأن تفهم هذا القانون لأيسر ما يكون على العقل أي عقل كان ، بشرط واحد ، هو أن يكون صاحبه حرا عن العبودية لأي رغبة أو غرض . أول هجرة في الإسلام ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وإنه لا يقدر على أن يحميهم ويمنعهم مما هم فيه ، قال لهم : « لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه » ، فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى اللّه بدينهم ، فكانت أول هجرة في الإسلام ، وكان في مقدمة المهاجرين : عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو حذيفة وزوجته ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف . . حتى اجتمع في أرض الحبشة من أصحابه صلى اللّه عليه وسلم بضعة وثمانون رجلا « 1 » . فلما رأت قريش ذلك ، أرسلت إلى النجاشي عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص - ولم يكن قد أسلم بعد - بهدايا مختلفة كثيرة إليه وإلى حاشيته وبطارقته ، رجاء أن يرفض قبول هؤلاء المسلمين في جواره ويسلمهم مرة أخرى إلى أعدائهم . فلما كلّما النجاشي في ذلك - وكانا قد كلّما من قبله بطارقته وقدّما إليهم ما جاآ به من الهدايا - رفض النجاشي أن يسلم أحدا من المسلمين إليهما حتى يكلمهم في شأن دينهم الجديد هذا ، فجيء بهم إليه ، ورسولا قريش عنده ، فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل ؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ، فقال : أيها الملك ! كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم ، ونهانا عن
--> ( 1 ) هذا هو الصحيح كما ذكره ابن هشام في سيرته : 1 / 330 ، وانظر فتح الباري : 7 / 130 .